حول الكتاب
“أجلس وحيداً، وأراقب من نافذة غرفتي في الطابق الخامس الثلج الذي ينهمر على نيويورك، لا أدري كيف أصف شعوري نحو هذه النافذة المستطيلة، التي أرى من خلالها روحي وهي تتكسر على الزجاج، صارت النافذة مرآتي، فيها أرى صورتي تضيع وسط زحام الصور في هذه المدينة… أعرف أنّ نيويورك محطتي الأخيرة، هنا سوف أموت، وستحرق جثتي وينثر رمادي في نهر الهادسون.
هكذا سأكتب في وصيتي، فأنا لا أملك قبراً في بلاد لم تعد بلادي، كي أطلب أن أدفن فيه معانقاً أرواح أجدادي، سوف أعانق في هذا النهر أرواح الغرباء، وسألتقي بِمَنْ يجد في لقاء الغريب بالغريب نسباً يغنيه عن نسب أضاعه؛ أعرف أنني الآن أنثر يتبين من شعر امرئ القيس بطريقة غير شاعرية، لكن ما همّني، فلن يقرأ أحد هذه الكلمات بعد موتي، لأنني سأوصي بأن تُحرق هذه الدفاتر معي كي ترمى هي أيضاً في النهر.

هذا هو مصير البشر ومصير الكلمات، فالكلمات تموت أيضاً، وتترك أنيناً نازفاً لكل الأنين الذي ينبعث من أرواحنا، وهي تتلاشى في ضباب النهاية، جعلت هذه النافذة مرآتي كي لا أنظر إلى وجهي في المرآة، يذوب وجهي في الوجوه، وتتلاشى ملامحي، هكذا أضع نهاية للنهاية التي اختارتني، وأنتهي من حلم كتابة رواية لا أعرف أن أكتبها، ولا لماذا عليّ أن أفعل ذلك… أضاعت مني الرواية لحظة اعتقدت أنني وجدتها.

هكذا تضيع الأشياء، وهكذا ضاعت دالية المرأة التي اختفت من حياتي لحظة اعتقدت أنه آن لي أن أكتب حياتي في عينيها، ووافقت أن تنجب ولداً، ونبدأ… كانت البداية أو ما اعتقدناه بداية هي النهاية، لكن النهاية الواضحة التي قادتني إلى الهجرة من بلادي، بدت أشبه ببداية كاذبة، حين خيّل إليّ أنني أستطيع الإستعاضة عن الحياة بكتابتها… لبسني هذا الوهم بإيحاء من المخرج السينمائي الإسرائيلي الذي كان صديقي، لأنه يتكلم تلك اللغة التي قررت أن أنساها، موحياً أن حياة كل إنسان تصلح أن تكون رواية أو فيلماً سينمائياً.

وضعت في هذا الملف دفاتري، وسأوصي بإحراقها ووضع رمادها في قنّينة، وأطلب من صديقتي الصغيرة أن تمزج رمادها برمادي قبل أن يُرمى الرماد في النهر، غريب أمري وأمر هذه الفتاة التي جاءت من لا مكان، وبقيت في اللامكان الذي أتت منه، هل أحبتني أم أحبّت أستاذها في جامعة نيويورك؟ أم أصبّت مكرة الحب، فاستعاضت بالفكرة عن كلينا؟… حين قررت الهجرة إلى نيويورك، كنت مصمماً على نسيان كلّ شيء، حتى أنني قررت أنني لحظة حصولي على الجنسية الأميركية سوف أغيّر اسمي، لكن يبدو أنني سأموت قبل أن يحصل ذلك… الموت حقّ، وحقي من الموت هو موتي…

الموت الذي أرى شبحه أمامي ليس بأساً من أي شيء، فأنا أعيش ما بعد اليأس، لست يائساً أو وحيداً، صنعت يأسي بنفسي، وجعلت منه فيئاً أستظلّه ويحميني من السقوط في السذاجة واللاجدوى، أما وحدتي فهي إختياري، ما إن انتهي من العمل حتى أعود إلى غرفتي، وأنصرف إلى الكتابة، وحدتي كتابتي وستكون عنواني الوحيد…

وهكذا مات آدم مرتين… المرة الأولى مات وهي حيّ، والثانية عند موته… أو ربما إنتحاره… وعلى الأرجح فإن آدم عاش بعد موته من خلال هذه السطور… وتلك الدفاتر هي التي خطّها عند الحضور بعد الغياب: غيبتان وحضوران عاشهما آدم… أما الغيبتان منها: غيبته عن وطنه فلسطين… وغيابه عن واقع ظلّ مشتاقاً إليه، والحضوران؛ ففي وحدته عاش حضوره، وفي فعل الكتابة وجد نفسه… لم تحرق سارانغ لي، صديقته الصغيرة، أوراقه هذه… لتمنحه الحضور الأبدي عند غيابه الأبدي.
وقد حصلت هذه الرواية على جائزة كتارا للرواية العربية للعام 2017

مناقشة الكتاب    تحميل الكتاب    

كتب ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *