GuidePedia Your SEO optimized title
الرئيسية » » الحلاج في محنته اطلالة موجزة على سيرته

الحلاج في محنته اطلالة موجزة على سيرته

الحلاج في محنته اطلالة موجزة على سيرته
سامي خرطبيل


    ما نعرفه عن حياة الحلاج، يكتنفه الغموض والاضطراب، كما في أي أمر يخصه أو ينسب إليه، وهناك رواية لولده يعرض فيها موجزا لحياة والده، وهي رواية مبسطة، لا تتعرض للمناحي المثيرة، وإنما تمس المواضيع مسا خفيفا، مبتعدة عن كل شائك في قصة الحلاج، فلنعرض هذه الرواية مكملين بعض ما فيها من نقص من المراجع الأخرى، كمدخل لما سنعرض فيما بعد عن كل الأمور المتصلة بهذه الشخصية الغريبة.
     ولد الحسين بن منصور سنة (244 هـ - 857م) في البيضاء في موضع يقال له الطور (3 من قرى فارس) وكان جده مجوسيا يدعى محمى.
     ولا ندري الا النذر اليسير عن طفولته، فقد نشأ بتستر حيث انتقل مع أهله، وحفظ القرآن في الثانية عشرة من عمره، ليتتلمذ عند السهل التستري سنتين بعد ذلك.
    وفي الثامنة عشرة من عمره سافر إلى البصرة، وفيها تتلمذ على عمرو بن عثمان المكي وهناك اصبح الشاب صوفيا، بعد أن لبس الخرقة إيذانا بذلك. وهناك تزوج أيضا، بنت ابي يعقوب الاقطع، وأثمر هذا الزواج بعد ذلك ثلاثة بنين وابنة واحدة، وكفل والد زوجه معيشة عائلته، الا انه غب الزواج تبدل شيخه، وحدث نزاع شديد بينه وبين حميه. فتضايق الحلاج وتألم، ثم ذهب إلى بغداد ليستشير الجنيد كبير المتصوفة في عهده، عارضا عليه ما يلقاه من أذى بسبب الصدام بين شيخه المكي ووالد زوجته الاقطع، فكان شيخ الملة يأمره بالسكون والصبر.
     وبعد سنة ونصف من الإقامة في البصرة، غادرها إلى بغداد ، وفيها تخلف إلى الجنيد، ثم غادره إلى مكة حاجا، فجاور سنة كاملة، منقطعا للعبادة. وفي مكة حدثت القطيعة الكاملة بينه وبين شيخه المكي الذي اشاع عنه الدعوى العريضة ومنها قوله ((هو ذا اعارض القرآن)) وما ماثلها من كلمات. لكن هذه المخاصمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ بدأ الشيخ بمهاجمة تلميذه، متهما إياه بالكفر، ومنكرا على الاقطع تزوجه ابنته، وكأنه يسعى لتطليقها منه !
     ورجع الحلاج إلى بغداد، وفي بغداد حدثت القطيعة بينه وبين الجنيد، ونسبه شيخ الملة إلى الادعاء، وأصبح واضحا أن على هذا المدعي، ان يسير في طريقه وحيدا، فانتقل الى تستر واعظا، واقام سنة، فلقي قبولا، الا ان كتب شيخه المكي كانت تتالى فيه متهما إياه بالعظائم، مشككا بعقيدته. واذا بالحلاج يتمرد، وبحركة انفعالية يرمي الخرقة الصوفية، منطلقا على هواه، مبتعدا عن الشيوخ، مرافقا أبناء الدنيا.
     أما المرحلة الثانية من حياته، فهي مرحلة سفر وتنقل من مكان إلى آخر، تبتدئ برحلة طويلة دامت خمس سنين، اذ غاب في خراسان وما وراء النهر وسجستان  وكرمان، ورجع بعد ذلك إلى فارس. ثم انتهى إلى الأهواز، واتى بأهله اليه، ثم خلفهم هناك، وخرج إلى البصرة فأقام مدة يسيرة ثم حج مع عدد كبير من تلامذته، وشاع هناك اتهامه بالشعوذة، فرجع إلى البصرة وأقام بها سنة، ثم ترك أهله وذهب برحلته الثانية إلى بلاد الشرك. فقصد الهند وخراسان وما وراء النهر حتى وصل الى تركستان ثم تعداها إلى الصين.

مشهد يصور صلب الحلاج

     ثم حج للمرة الثالثة، وفيها قال ((تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي)). ليعود الى بغداد بنفسية جديدة، متمثلا بهذا القول !
     فهي مرحلة سفر مستمر من مكان إلى آخر، حج فيها مرتين عدا حجته الأولى وقام فيها برحلتين طويلتين، عدا عن تنقلاته المستمرة بين تستر والأهواز وبصرة وبغداد.
     بعد حجه الأخير، كان الحلاج يختتم عقده الخامس، فاستقر في بغداد وبنى دارا، وتغير عما كان عليه في الأول. واذا بالاستقرار يخفي نزعته الوثابة التي تظهر بشكل اخر، واذا به يستقر في المقابر ليلا مصليا بالقرب من ضريح ابن حنبل ! وفي النهار يدور في الأسواق صارخا وباكيا، مطالبا الناس بقتله، فهو يريد أن يموت كافرا.
    وراجت اجابته للشبلي : ((أنا الحق)). فطالب القاضي محمد بن داود، وهو فقيه سني ظاهري ، بمحاكمته، وطالب بقتله، الا أن أحد الشيوخ الشوافعة، وهو ابن سريج، رفض طلبه، لأن الالهام الصوفي لا يخص المحاكم الشرعية.
    ولما اتي الوزير أبن الفرات، غب ثورة ابن المعتز الفاشلة سنة 296هـ ، أصدر أمرا بالقاء القبض على الحلاج وتلامذته. لكن الحلاج هرب على الرغم من طلبه الموت بتلك الصورة الاستعراضية المثيرة في أسواق بغداد.
    وفي المرحلة الرابعة من حياته، والتي استمرت كسابقتها ثلاث سنين، أو أربع ظل متخفيا، يتحرك سرا، إلى أن القي القبض عليه سنة 300 هـ في سوس من الأهواز، فانكر أن يكون الحلاج، لكن الشرطة تعرفت عليه، وأحضر إلى بغداد.
   كان الوزير أنذاك هو علي بن عيسى،الذي أمر بمناظرته ، فنوظر وصلب سنة 301 هـ بتهمة القرمطة والحلولية والسحر، ثم أودع السجن.
   ومن سنة 301 هـ إلى سنة 309 هـ قضى الحلاج هذا الشطر متنقلا من سجن إلى سجن. وكان عدد من حاشية الخليفة قد سمعوا به وأصبحوا من أتباعه، وعلى رأسهم نصر القثوري، فحموه وأكرموه في سجونه إلى أن نقل إلى دار السلطان بعد أن عظم شأنه.
    وفي سنة 303 أدخل على الخليفة وشفاه من علة به، فلقى قبولا ورضا، وكانت والدة الخليفة تحابيه وتؤمن بورعه. ولما عاد ابن الفرات وزيرا (304-306) لم يفتح قضيته من جديد، وفي سنة 305 شفى الحلاج ببغاء لولي العهد أو أحياه بعد موته ! وقد عظم أمره وكثر الحديث فيه وفي أقواله وأفكاره.
    وأتت وزارة جديدة على رأسها علي بن عيسى الذي صلبه في المرة الأولى، والوزير حامد الذي القى القبض عليه في سوس، أتت هذه الوزارة سنة 306 هـ بعد أزمة مالية، وخلال ذلك أحيل الحلاج إلى الوزير ليناظره من جديد، فلم يناظره، فأحيل إلى حامد سنة 308 بعد أن كثرت الأقوال في سحره وادعائه الألوهية وبعد أن شاع الحديث عن تلامذة له يعبدونه. فاستلمه حامد وقدمه للمحكمة التي رئسها القاضي المالكي أبو عمر الحمادي المعروف بتملقه لرؤسائه. وأحضر عددا كبيرا من الشهود، ونوظر الحلاج، فثبت، وأنكر الدعاوي ضده، إلى أن وقع في قضية فقهية تمس الحج وتبدل معناه، فأدانه القاضي وأحل دمه، ووقع بقية القضاة، وفي 24 ذي القعدة سنة 309 هـ - 922 م جلد وصلب وقطعت يداه ورجلاه ثم قطع رأسه وأحرق جثمانه !
 
© جميع الحقوق محفوظة 2017 لـمكتبة طريق العلم