GuidePedia Your SEO optimized title
الرئيسية » » مناقضة المجتمعات للعلماء ومناهضتها لرواده

مناقضة المجتمعات للعلماء ومناهضتها لرواده

مناقضة المجتمعات للعلماء ومناهضتها لرواده 
د.كلفورد أ. بكوفر
ترجمة: د. إيمان نوري الجنابي


لقد عانى الكثير من العلماء  من الكثير من التهكم والظلم والمجافاة للنيل من أفكارهم التجديدية إلى درجة مقاومتها ومناهضتها بل ومقارعتها من قبل زملائهم ونظرائهم ومجافاة مجتمعاتهم لهم لدفاعهم عنها الأمر الذي جرح كبرياءهم بالصميم وآذى أشخاصهم وأكلم شخصياتهم في العمق !! فهذا العالم ( أوم – Ohm) وقد رُفضت أفكاره وجرحت مشاعره إلى الدرجة التي دفعته إلى الاستقالة من منصبه الكهنوتي في الكلية اليسوعية في كولون ( Cologne) حيث كان يشغل منصب كبير أساتذة الرياضيات ومدرسيها. وبعد أن كان أعلى اعلام الرياضيات في عصره وشخصية مرموقة في مجتمعه، وجد نفسه وقد لفته الفاقة منبوذا وقد طرد من عمله حتى أدار الزمن له ظهره لما تبقى له من عمره. ولعل في مذكرة التوبيخ التي نشرت بحق كتابه الفيزياء ما يعكس مقدار الظلم الذي صبه مجتمعه وأصحابه عليه، حيث جاء فيها : ((يقر مجلس العلماء المنعقد لتقييم جهود السيد (أوم –Ohm) من خلال تقييم كتابه في الفيزياء بأن هدف هذا الكتاب وخالص الجهد المنصب فيه لم يكن له إلا هدفا واحداً صريحاً وواضحاً ألا وهو سلب الوقار والاحترام من الطبيعة والإقلال من منزلتها، بل وإهانتها !!)) أما وزير التعليم الألماني فقد نعت أوم بأنه (الأستاذ الذي قدم وحاضر بمواد مليئة بالبدع والخرافات والهرطقة التي لا ترتقي إلى مستوى المواد الصالحة للتدريس).


    ولم يكن حظ (نيوتن) بأحسن من حظ معاصريه فلقد قام زميله ونظيره الفيزيائي البريطاني [ روبرت هوك Robert Hooke (1635-1703) ] بكيل التهم إليه وصب التحديات عليه إلى الحد الذي قرر (نيوتن) معه تأجيل طباعة وإصدار واحد من أهم أعماله في البصريات (Opticks) وحتى وفاة زميله الأخير هذا. وقد كاد النقاش العقيم والاتهامات الحادة التي كالها (الآباء اليسوعيون – Jesuits) الإنكليز إلى نيوتن أن تقوده إلى الجنون حيث لم يكن في وسعهم إدراك ما ذهب إليه هذا العبقري بخصوص موضوعاته ونظرياته حول الضوء والألوان، ولقد استمرت هذه المحادثات واحتدم النقاش والتجريح ليس بمستوى العلم الذي جاء به فحسب بل وبشخصيته وبشرفه وبإيمانه إلى الدرجة التي دفعته إلى مشارف الإنهيار العصبي التام. هذا ولقد أعمى الحقد والحسد (همفري ديفي Humphry Davy (1778-1829) ) زميل وأستاذ العالم (فراداي – Faraday) بعد أن حقق هذا الأخير الكثير من الشهرة والنجاخ والتفوق العلمي فصار الأول يكيل الاحتقار للثاني ويوصمه علنا بالخزي حتى انهار وأصيب ووقع، كما وقع (نيوتن) في أحضان الانهيار العصبي فكاد أن يُجن !! واستمر في مناهضته وتدبير المكائد له وبذل الجهود المضنية من أجل أن يمنع ترشيحه وانتخابه لمنصب  الجمعية الملكية للعلوم حتى نجح في مسعاه !!

إسحاق نيوتن

   اشتهر الفيزيائي النمساوي العريق [ لودوك بولتزمن Ludwig Boltzmann (1844-1906) ] بأعماله الخالدة حول ( الميكانيكا الحرارية – Thermodynamics) والحرارة و( الأنثالبية- Antropy)، أي زيادة كمية الفوضى في أي نظام حراري أو كيميائي أو طبيعي، كما اشتهر باستخدام مفهوم الذرّة كأصغر وحدة للكيان المادي لتفسير إمكانية اعتبار الحرارة كصفة وكدالة إحصائية تستنبط منها الصفة الحركية لمجاميع الذارات المكونة لها، ومع كل إنجازاته ومركزه الاجتماعي المرموق تراه لم يكن في منأى عن المضايقة والمشاغبة والحسد بل وحتى من حياكة الدسائس وتدبير المكائد له من قبل معاونيه وزملائه في العمل والبحث (العلمي !!) للدرجة التي دفعت كلا من (ارنست ماخ Ernst Mach (1838-1916) ) و( فلهلم أوستوالد Wilhelm Ostwold) إلى التشكيك بقدراته على حيازة منصبه وبقابليته العلمية إلى الدرجة التي أزّمت حالته النفسية، حيث كان عالما مصابا (بالكآبة) إلى الدرجة التي لم يطق الحياة معها فقتل نفسه في عام (1906). ولقد ظهر من التحليل النفسي الرجعي لشخصية (بولتزمن) بأنه كان مصابا بالانفصام والشخصية المزدوجة التي كانت تتأزم خلال تدهور حالاته النفسية والعاطفية والتي كانت تتزامن مع استمرار حدة مناقشاته مع زملائه الذين تعمدوا إيذاءه والنيل منه كيدا من دون وجه حق، وكل ما نعرفه بخصوص تلك الحادثة الأليمة على وجه اليقين هو أنه انتحر بشنق نفسه إلى شجرة خلال عطلة قصيرة وفي أثناء نزهة عائلية له مع زوجته وابنته. ولا نستغرب نبذ المجتمعات لعلمائها والكآبة التي اكتسبها العلماء من قِراعِ مجتمعاتهم لهم، فلقد أصيب بها (بتي – Petit) و (نيوتن-Newton) وقد أوصلت (كاوس-Gauss) إلى حد الجنون !!
  ولعل في نبذ المجتمعات والأصدقاء والحساد للعلماء والمبدعين عادةً، بل عرفا تواترت عليه الأجيال فهناك الكثير والكثير من المبدعين والفطاحل والعباقرة واللوامع الذين لم يتح لي ضيق المجال ضمهم إلى أحضان هذا المقال والذين كان عليهم دفع ثمن باهظ من المعاناة والصبر والمجالدة ضد مناهضيهم وحسادهم وحتى ضد من سعى إلى تدميرهم واقصائهم وإليك الأمثلة لذلك :
جوبهت الاكتشافات الثورية للمضادات الحيوية التي قام بها البيولوجي السكوتلاندي الشهير [ السير ألكسندر فلمنك (1955-1881) Alexander Fleming] بالكثير من اللامبالاة من قبل زملائه وأصدقائه، كما قاوم بشدة وبمكر الكثير من الجراحين والأطباء الجراح الإنكليزي [جوزيف ليستر (1912-1827) Joseph Lister] وأفكاره وتطبيقاته حول ضرورة مزاولة الجراحة تحت الظروف المعقمة منعا لحدوث الالتهابات والأخمجة، كما رُفضت وبشدة أفكار وأعمال المخترع الأمريكي اللامع [جستر كارلسون (1968-1906) Chester Carlson ] مخترع آلة الاستنساخ الشهيرة (الزيروكس – Xerox) من قبل أكثر من عشرين شركة قبل أن يتمكن من بيع اختراعه والاستفادة المادية منه، وأخيرا فقد عانت نظرية العالم الألماني [ ألفريد ويكنر (1930-1880) Alfred Wegner] الخاصة بتزحزح القارات وانجرافها الكثير من الاستخفاف والإهمال من قبل معاصريه من علماء الأرض والجيولوجيا، فلم يعرها أحد منهم اهتمامه.
ألكسندر فلمنك

   ولم تقتصر معاناة مبدعي القوانين على المجتمع والزملاء والحساد، فلقد كان على بعضهم صد الطعنات التي كانت توجه إلى ظهورهم من الخلف من قبل أحب أحبائهم، كأمهاتهم وآبائهم وإخوانهم، فخذ على سبيل المثال والدة العبقري (كولوم –Coulomb) التي أرادت من ولدها أن يمتهن مهنة الطب وأصرت على ذلك ولكن ولدها أصر بدوره على دراسة المواضيع الكمية التي أحبها كالهندسة والرياضيات؛ ومن هنا دب الخلاف داخل العائلة بين الأم والابن ذوي الميول المتضاربة واحتدم الشجار بينهما وحمي وطيسه الأمر الذي دفع الأم للتخلي عن ولدها والتبرؤ منه رسميا فلم يعد ابنها قانونا على الأقل، ولك أن تتصور مدى الأذى النفسي والشرخ العصبي الذي يمكن أن ينتج عن مثل هذه الأفعال.
  هذا ولقد تصادم كل من الفيزيائي والرياضي الإيطالي الشهير [ دانييل برنولي (1782-1700) Daniel Bernoulli] والرياضي اللامع (بيو- Biot) مع والديهما وثار عليهما لاصرار الآباء على انخراط الأبناء في سلك الأعمال والتجارة. وقد حبا الله الكيميائي السكوتلاندي [توماس كراهام (1805-1849) Thomas Graham] أبا متزمتا قاسيا أصر على انخراط ابنه في سلك اللاهوت ليصبح أسقفا في الكنيسة السكوتلاندية وعمل ما بوسعه لثنيه عن الشروع والاستمرار فيما يعشقه قلبه وتتوق إليه نفسه من حب لعلوم الكيمياء. ولعل نجم سعد (كراهام) تمثل بوالدته وأخته اللتين وقفتا إلى جانبه وشجعتاه بكل ما أوتيتا من قوة وإصرار فكان ذلك طوق نجاته من الانهيارات العصبية والسبب في مضيه لتحقيق أحلامه وإنجازاته العلمية في ميدان شغفه الذي ولع به فأبدع.
   لقد عانى غالبية مبدعي القوانين  من نوع أو آخر من أنواع العوق الجسدي و/أو النفسي؛ فهذا الكيميائي والفيزيائي وعالم الأنواء الجوية الأنكليزي [ جون دالتن (1844-1766) John Dalton] الذي عانى من عمى الألوان، وذاك الرياض الفرنسي [جوزيف فورييه (1830-1768) Joseph Fourier] الذي عانى من عوق من نوع خاص جعله دائم المعاناة من الشعور بالبرودة فكان نادرا ما يود الخروج خارج الدار بدون اعتماره لمعطف ثقيل وكان غالبا ما يصطحب خادمه معه حملا لآخر كاحتياط ، حتى في أعز أيام قيض الصيف. وكان (كرشهوف Kirchhoff ) بحاجة إلى عكازين لا يقوى على المشي بدونهما، كما كان (هوك- Hooke) شديد المعاناة من طفولة مريضة بائسة رافقه الصداع المدمر فيها ولم يكن يتوقع له أن يصل حتى إلى أعتاب الصبا ! وهذا (كبلر – Kepler) الذي قدر له أن يصاب بالكساح منذ طفولته، ذلك المرض الذي تقوست معه ساقيه إلى الخارج وأصيب بالكثير من الدمامل في وجهه كما عانى من ضعف شديد في البصر في كلتا عينيه، وذاك الكيميائي البريطاني الشهير [وليم هنري (1836-1775) William Henry] الذي أصيب في طفولته بحادث عانى معه من آلام مبرحة طوال حياته والتي دفعته قسرا إلى إنهاء حياته بيديه فانتحر !! ومن جانب آخر فقد أثرت أعمال وأبحاث بعض عظمائنا عليهم مباشرة فعانوا من جرائها صحيا، فخذ على سبيل المثال الكيميائي الفرنسي الشهير [ بيير دولون (1838-1785) Pierre Dulong ) ] والذي بتر انفجار إحدى تجاربه أصابع يديه وأطاح بإحدى عينيه فعاش كريم العينبدون أصابع لما تبقى له من حياته !!.
جون دالتن

  لقد لعبت الإعاقة الجسمانية ونكاد نقول الشعور بالنقص العضوي دورا محوريا في تبلور شخصيات هذا الكتاب وتمكنها من كتابة أسمائها في سجل الخالدين فقد قيل (كل ذي عاهة جبار)، ولعل هذا ما أكسب أولئك الأفراد الشعور الحقيقي بضرورة التميز وشحن إمكانياتهم وقابلياتهم لتحقيق رغباتهم في التعويض عما لحق بهم وعانوا منه فكان في ذلك الدافع المحرك الأساسي لهم لوضع بصماتهم على وجه العالم ولبلوغ الخلود المعني بما حققوه من إنجازات مبدعة شهدت لهم الدنيا والتاريخ بها.
  ولعل حب التعويض عما لحق بالكثير من العباقرة من التشوه الجسدي والعوق الفيزيائي وحتى شعورهم بالانطواء والتغرب عن العالم المحيط بهم هو ما حفزهم لإذكاء روح الإبداع لديهم ودفعهم إلى الاجتهاد بوتائر لم تعرف لغيرهم سبيلا، فلقد وجدت شخصيا على سبيل المثال وخلال بحثي وتقصياتي لتحقيق كتابي المعنون (العقول العريبة والعبقرية) بأن شعور القهر النفسي وحتى الهشاشة الجسمانية والخوف من المرض أو الموت المبكر هو ما دفع الكثير من العباقرة المبدعين إلى تحدي الذات ومقارعة المستحيل وكانت هي العوامل التي أذكت لديهم حب الإبداع والوقوع تحت ضغطه ومرارته.
  أما بخصوص الخالق (عز وجل) ووجود الحياة وانتشارها في الفضاء والكون فلنا أن نعجب حقا من الأعداد الكبيرة من العمالقة الذين جاء ذكرهم في هذا السفر والذين آمنوا حتى النخاع بإمكانية بل وبضرورة وجود الحياة خارج سطح الأرض، فلقد دفعهم إدراكهم العلمي وإيمانهم الديني إلى الاعتراف بضرورة انتشار أشكال الحياة (حتى لو لم تكن مشابهة لنمطها على الأرض) خلال الكون.
   خذ العالم [ يوهان لا مبير – (1777-1728) Johann Lambert] مثالا على الإصرار على عظمة الخالق وإمكانية التصرف في خلقه؛ فلقد آمن بضرورة وجود الحياة (أي نوع من الحياة) على كافة الكواكب والأقمار والمذنبات التي تملأ الكون، ففي كتابه الموسوم ( الملخص في علم الفلك –Cosmologische Briefe) أكد لامبير على القدرة اللامتناهية للخالق (عز وجل) والذي لا يعقل أن يترك حبة رمل ولا أصغر من ذلك ولا أكبر دون أن يشحنها بالمناسب من القوى والفعالية (بصورة او بأخرى) وبالطريقة التي تجعلها جميعا وعى اختلاف تنوعها خاضعة لقوانينها الخاصة بها و/أو لقوانين عامة كونية لا بد لنا أن ندركها كحضارة عاقلة سواء عاجلا أم آجلا. ومثل ذلك آمن الفلكي الشهير [ يوهان بود (1826-1747) Johann Bode] بأن كل ما يستحق الوجود في الكون مثل الشمس والنجوم والكواكب والأقمار والمذنبات – لابد وأن تقطنها حضارات عاقلة، فقد أوضح (بود) وأصر على المناداة بأن قدرة الخالق على جعل أجرامه مأهولة بالسكان (وبأي نوع أو بأي صنف كان- وليس بالضرورة كما هو عليه حالنا على الأرض) لهو الهدف الأعظم من الخلق، هذا وأن وجود الحياة خارج كرتنا الأرضية وكونها على قابلية وجاهزية واستعداد تام لإدراك خالقها وتفهم وتعظيم جلاله والتسبيح بحمده وإدراك الغاية التي وضعها لوجودهم عليها لهو الغرض الأساسي من الخلق والسبب المباشر للوجود، هذا وقد ساق الفيزيائي [ ديفيد بروستر- (1888-1781) David Brewster] في كتابه الموسوم :( هناك أكثر من عالم واحد) عددا من الأسباب المستوحاة من التوراة والتي استند عليها لتفسير وجوب وجود نظام شمسي مماثل لنظامنا وكواكب تدور حوله كما تدور الكواكب في نظامنا ... كما وساق الأمثلة لوجوب وجود الحياة على كل شمس وكوكب وقمر منها !!
يوهان لامبير

أما الفلكي العريق (كبلر- Kepler) فقد كتب قصة من قصص الخيال العلمي أسماها (النوم أو الحلم – Sominium) والتي يخيل لنا فيها قمر الأرض مسكونا بكائنات تشبه الأفاعي العظيمة من ذوات الجلود الاسفنجية هائلة الثقوب؟ !!
وبعد تصنيف مكتشفينا العظام في هذا المقال وفق معتقدهم الديني وعمق إيمانهم ووفق ميولهم النفسية وتعقيداتهم السيكولوجية ووفق طبيعة خلقتهم ونشوئهم قد آن !، فليس من الصعب بعد مراجعتك للكتاب أن تستنتج بأن جينات العديد والعديد من مكتشفي (قوانين الحقيقة) في هذا الكتاب لا بد وأن تكون (جينات فيزيائية !!).
نعم ذوو- جينات فيزيائية- تناسلت بل وتمازجت مع عوائلهم وهبطت معهم أبا عن جد، خذ على سبيل المثال العائلة (براك- The Braggs) فمنها الأب [وليم هنري براك (1942-1862) William Henry Bragg] والابن [وليم لورنس براك (1971-1890) William Lawrence Bragg] واللذان منحا جائزة نوبل للفيزياء في عام (1915) مناصفة لأعمالهما الخالدة ودراستهما المستنيرة في حقل الكيان البلوري للمواد فاتحين سفر ذلك العلم وواضعين أسسه ومطلقين ألغازه وفضائله للعالم.
عائلة براك

ثم خذ العائلة الألمانية (الكولروش – The Kohlrausches] التي أنجبت الفيزيائي الشهير [ فردريخ فلهلم كولروش (1910-1840) Friedrich Wilhelm Kohirausch] والذي تعاون مع أخيه الفيزيائي [فلهلم فردريخ كولروش Wilhelm Friedrich Kohirausch] في ميدان الكيمياء الكهربائية إضافة إلى والديهما الفيزيائي الشهير [رودولف كولروش (1858-1809) Rudolph Kohlrausch] والذي أمضى سني عمره في إجراء التجارب في مختلف ميادين العلوم المصاحبة. وكمثال ساطع آخر على مرور (جينات الفيزياء) وانسيابها مع الدم العائلي من جيل إلى الجيل التالي، لدينا العائلة السويسرية الاستثنائية (البرنوليون- The Bernoullies) التي أنجبت ثمانية من فطاحل الرياضيين خلال ثلاثة أجيال فقط، أسهم كلهم خلال القرنين السابع والثامن عشر بمد العالم بأعظم اكتشافاته التي ساعدت على تقدمه وتطويره لحقول علمية كثيرة كالهيدرودايناميكا وحساب التفاضل والهندسة التحليلية ونظرية الاحتمالات والهندسة والميكانيك وعلم حركة القذائف وإطلاق الصواريخ والديناميكا الحرارية وعلوم البصريات والمغناطيسية والكهربائية وعلم الفلك، وقدموا كما لم تقدم للعلم والعالم عائلة أخرى مثلها عبر التاريخ !
  وكمثال آخر لعائلة لامعة أخرى دعنا نذكر الأب العبقري الفيزيائي الألماني [ كوستاف وايدمن (1899-1826) Gustav Wiedemann] والذي امتاز بذكائه الاستثنائي ونسبه الأصيل والذي اشتهر بقانون (وايدمن- فرانز) إضافة إلى إشغاله لمنصب الأستاذية في الكيمياء الفيزيائية في جامعة ليبزك (Leipzig). كان هذا الأب قد انجب اثنين من العباقرة كما كانت أمهما وهي زوجته (كلارا –Clara) مترجمة علمية لامعة أسهمت في ترجمة كتاب الفيلسوف الطبيعي الأيرلندي [جون تندال (1893-1820) Jhon Tyndall] والموسوم (الحرارة كأحد نماذج الحركة) إلى الألمانية. أما الابنان فقد نبغ الأكبر (إلهارد – Eilhard) بالفيزياء فأصبح فيزيائيا مرموقا ومؤرخا للعلوم وله شرف أول من استعمل مصطلح (اللمعان- Luminescence] في علم الإنارة، كما نبغ الابن الأصغر (ألفريد –Alfred) في علم المصريات القديمة (Egyptologist) حتى صار حجة عالمية فيها.
وإذا واضبنا على تتبع النسخ العبقري الصاعد خلال العوائل فلا بد أن نعرج على ذكر عائلتين مهمتين تميزتا بالإبداع وأفادتا العلم والبشرية أيما فائدة وهما عائلة الفيزيائي الشهير [ أدولف فك (1901-1829) Adolf Fick] الذي اشتهر اسمه بإقرانه بقوانين الانتشار. لقد كان لهذا النابغة أخوان. برع الأول كأستاذ في علم التشريح الآدمي (Human Anatomy) وبرع الآخر كأستاذ في علوم القانون، أما العائلة الثانية التي لا يجب أن يغفل ذكرها أي كتاب لتاريخ أو لتصانيف العلوم فهي عائلة الفيزيائي الفرنسي (بيير- Pierre) وزوجته البولندية الأصل (ماري- Marie) والتي حملت اسم عائلة زوجها (كيوري- Curie) اللذان حصلا على جائزة نوبل للفيزياء في عام (1903) لبحوثهما المشتركة المتعلقة بالاشعاعات، أما (ماري) فقد استطاعت الحصول على جائزة نوبل مرة ثانية في الكيمياء وذلك في عام (1911) لاكتشافها عنصري (الراديوم- Radium) و(البولونيوم – Polonium) الجديدين على الجدول الدوري وبذلك أصبحت هذه الفتاة البولندية أول من حصل على، أو شارك في الحصول على جائزتي نوبل في العالم. وأما زوجها (بيير) فلم يفق كمال جذوة عبقريته إلا غرابة مأساة موته. وعند تتبع نزغ العبقرية في هذه العائلة نرى أن ابنة ماري وبيير الكبرى واسمها [إيرين (1956-1897) Irène] قد تزوجت الفيزيائي الفرنسي الشهير[جين فردريك جوليو (1958-1900) Jean Frederic Joliot ] واستطاع الزوجان الحصو على جائزة نوبل للكيمياء لعام (1935) !!.
ماري كيوري
والآن وإذا جاز لنا أن نتكلم عن (الحظ) وتأثيره في مسار العلم والعلماء والاكتشافات والمكتشفين فلا شك بأننا سنمر على أمثلة رائعة محيرة والتي كاد العلم والعالم أن يسير في طريق آخر أو أن ينحيا منحى مغايرا لولا قدرة الله (عز وجل) والتي يسميها غالبية الكتاب والمحدثين (بالحظ) !، فخذ على سبيل المثال الحادث المروع الذي تعرض له في عام (1812) الكيميائي الشهير [همفري ديفي (1829-1778) Hamphry Davy] ذلك الحادث الذي أصاب عينه وأسلمها إلى يد العمى المؤقت إثر الانفجار الكيمياوي الهائل الذي تعرض إليه، الأمر الذي حدا بأن يأتي بـ (فراداي –Frarday) ليعمل مساعدا له مما وضعه على أعتاب أول مفترق طرق جعله يقرر مهنته التي سيزاولها لما تبقى من حياته. أضف إلى تلك الحادثة مصادفة وقوع المقالة المطولة عن الكهربائية بين يدي هذا الأخير والتي صادف أن كانت عنوانا لمدخل الموضوع المنشور في الموسوعة البريطانية (Encyclopedia Britannica) ذائعة الصيت عنه، وقد قرأه بشغف وتمعن وأعجب، بل وتشرب به حتى اتخذ هذا الموضوع خطة لحياته وميدانا لإبداعاته.

لقد لعبت صدفة عثور فراداي على تلك المقالة ذات الـ (127) صفحة دورا مهماً في إذكاء ميوله الذاتية لحب موضوع الكهربائية، هذا إذا علمنا أنه كان قد حصل عليها بطريق الصدفة المحضة أثناء (تجليده) إياها لصالح أحد العملاء.

 
© جميع الحقوق محفوظة 2017 لـمكتبة طريق العلم